المقريزي
6
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
في وكره وعش مأربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره لا زلت مذ شذوت العلم وآتاني ربي الفطانة والفهم أرغب في معرفة أخبارها وأحبّ الأشراف على الاغتراف من آبارها ، وأهوى مسائلة الركبان عن سكان ديارها فقيدت بخطى في الأعوام الكثيرة ، وجمعت من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب ، أو يحويها لعزتها وغرابتها أهاب إلّا أنها ليست بمرتبة على مثال ولا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال ، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية ، عن الأمم الماضية والقرون الخالية ، وما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى والقدم ولم يبق إلّا أن يمحو رسمها الفناء والعدم ، وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة ، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع ، وحوته من المباني البديعة الأوضاع ، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل ، والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة ، وحكما بديعة شريفة من غير إطالة ولا إكثار ، ولا إجحاف مخل بالغرض ولا اختصار ، بل وسط بين الطرفين ، وطريق بين بين . فلهذا سميته ( كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار ) ، وإني لأرجو أن يحظى إن شاء اللّه تعالى عند الملوك ولا ينبو عنه طباع العاميّ والصعلوك ويجله العالم المنتهي ، ويعجب به الطالب المبتدي ، وترضاه خلائق العابد الناسك ، ولا يمجه سمع الخليع الفاتك ويتخذه أهل البطالة والرفاهية سمرا ، ويعدّه أولو الرأي والتدبير موعظة وعبرا ، يستدلون به على عظيم قدرة اللّه تعالى في تبديل الأبدال ، ويعرفون به عجائب صنع ربنا سبحانه من تنقل الأمور إلى حال بعد حال ، فإن كنت أحسنت فيما جمعت وأصبت في الذي صنعت ووضعت ، فذلك من عميم منن اللّه تعالى وجزيل فضله وعظيم أنعمه عليّ ، وجليل طوله ، وإن أنا أسأت فيما فعلت وأخطأت إذ وضعت فما أجدر الإنسان بالإساءة والعيوب إذا لم يعصمه ويحفظه علام الغيوب : وما أبرّئ نفسي أنني بشر * أسهو وأخطىء ما لم يحمني قدر ولا ترى عذرا أولى بذي زلل * من أن يقول مقرّا أنني بشر فليسبل الناظر في هذا التأليف على مؤلفه ذيل ستره إن مرّت به هفوة ، وليغض تجاوزا وصفحا إن وقف منه على كبوة ، أو نبوة فأيّ جواد وإن عنق ما يكبو ، وأيّ عضب مهند لا يكل ولا ينبو لا سيما والخاطر بالأفكار مشغول ، والعزم لالتواء الأمور وتعسرها فاتر محلول ، والذهن من خطوب هذا الزمن القطوب كليل والقلب لتوالي المحن ، وتواتر الإحن عليل : يعاندني دهري كأني عدوّه * وفي كل يوم بالكريهة يلقاني فإن رمت شيئا جاءني منه ضدّه * وإن راق لي يوما تكدّر في الثاني